ابن الحسن النباهي الأندلسي
25
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
بجهل ، فخسر ، فأهلك أموال الناس ، وأهلك نفسه ، ففي النار ؛ وحكم حكم فخدل أي جار ، فأهلك أموال الناس وأهلك نفسه ، ففي النار ؛ وحكم علم ، فعدل فأحرز أموال الناس وأحرز نفسه ، ففي الجنّة ! » قال الهرويّ في « كتاب الغريبين » له في الحديث : ورجل علم فخدل أي جار ، يقال إنه لخدل غير عدل . ذكر ذلك في باب الخاء والدال . قال ابن سيدة في باب الخاء مع الدال : خدل عليّ خدلا : ظلمني ، وخدل عليّ خدولا وخدلا : جار . وفي الحديث : من ولي قاضيا ، فقد ذبح بغير سكّين . وفي رواية لابن أبي ذؤيب : فقد ذبح بالسكّين . وفيه : الولاية أوّلها ملامة ، ووسطها ندامة ، وآخرها عذاب في القيامة ، إلّا من اتقى اللّه عزّ وجلّ . وفي « الموطّأ » باب ما يكره من القضاء مالك عن يحيى بن سعيد أنّ أبا الدّرداء كتب إلى سلمان الفارسيّ أن : « هلمّ إلى الأرض المقدّسة ! » ، فكتب إليه سلمان : « إنّ الأرض لا تقدّس أحدا ، وإنما يقدّس الإنسان عمله . وقد بلغني أنك جعلت طبيبا تداوي الناس : فإن كنت تبرئ ، فنعما لك ! وإن كنت متطبّبا ، فاحذر أن تقتل إنسانا ، فتدخل النار ! » وكان أبو الدّرداء ، إذا قضى بين اثنين ، ثمّ أدبرا عنه ، قال : « ارجعا ! أعيدا عليّ قضيتكما متطبّبا واللّه ! » ويحيى بن سعيد هو القائل : « وليت قضاء الكوفة ، وأنا أرى أنه ليس على الأرض شيء من العلم ، إلّا وقد سمعته . فأول مجلس جلست للقضاء ، اختصم إليّ رجلان ما سمعت فيه شيئا ! » . وفي « المستخرجة » : قال مالك : قال عمر بن الحسين : « ما أدركت قاضيا استقضي بالمدينة إلّا رأيت كآبة القضاء وكراهيّته في وجهه ! » وفي « الصحيح » عن أبي ذر : « قلت : يا رسول اللّه ، ألا استعملتني ! » فضرب بيده على منكبي ، ثمّ قال : يا أبا ذر ، إنك ضعيف ، وإنّها أمانة ، وإنّها يوم القيامة خزي وندامة ، إلّا من أخذها بحقّها ، وأدّى الذي عليه فيها ! » فلا ينبغي أن يتقدّم على العمل إلّا من وثق بنفسه وتعيّن له وأجبره الإمام العدل عليه . وللإمام العدل إجباره إذا كان صالحا ، وله أن يمتنع عنه إلّا أن يتحقق أنه ليس في تلك الناحية من يصلح للقضاء سواه ؛ فلا يحلّ له الامتناع حينئذ لتعيين الفرض عليه . فصل : من المجموع المسمّى ب « المقصد المحمود » : القضاء محنة وبليّة ،